صديق الحسيني القنوجي البخاري
273
فتح البيان في مقاصد القرآن
والخلاف فيها مدون في الأصول والفروع ، ولكن السائل لم يسأل عن أقوال الرجال إنما سأل عن تحقيق الحق انتهى بكلامه في إرشاد السائل إلى دليل المسائل » . وقد حققنا ذلك المقام في كتابنا ( الجنة في الأسوة الحسنة بالسنة ) وكشفنا القناع عن وجه التقليد والاتباع فارجع إليه ، وعوّل في معرفة الحق عليه ، وباللّه التوفيق وهو المستعان . [ سورة المائدة ( 5 ) : الآيات 46 إلى 47 ] وَقَفَّيْنا عَلى آثارِهِمْ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْراةِ وَآتَيْناهُ الْإِنْجِيلَ فِيهِ هُدىً وَنُورٌ وَمُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْراةِ وَهُدىً وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ ( 46 ) وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ ( 47 ) وَقَفَّيْنا عَلى آثارِهِمْ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ هذا شروع في بيان حكم الإنجيل بعد بيان حكم التوراة ، أي جعلنا عيسى ابن مريم يقفوا آثارهم أي آثار النبيين الذين أسلموا من بني إسرائيل أو آثار من كتب عليهم تلك الأحكام ، والأول أظهر لقوله في موضع آخر . بِرُسُلِنا يقال قفيته مثل عقبته إذا اتبعته ، ثم يقال قفيته بفلان وعقبته به فيتعدى إلى الثاني بالباء ؛ والمفعول الأول محذوف استغناء عنه بالظرف وهو على آثارهم ؛ لأنه إذا قفى به على أثره فقد قفى به إياه . مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْراةِ وهي حال مؤكد قاله ابن عطية وَآتَيْناهُ الْإِنْجِيلَ فِيهِ هُدىً وَنُورٌ أي أن الإنجيل أوتيه عيسى حال كونه مشتملا على الهدى من الجهالة والنور من عمى البصيرة . وَمُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْراةِ وَهُدىً وَمَوْعِظَةً أي مصدقا وهاديا وواعظا لِلْمُتَّقِينَ وهذا ليس بتكرار للأول لأن في الأول إخبارا بأن عيسى مصدق لما بين يديه من التوراة ، وفي الثاني إخبار بأن الإنجيل مصدق للتوراة فظهر الفرق بينهما ، وإنما خص المتقين بالذكر لأنهم الذين ينتفعون بالمواعظ . وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ هذا أمر لأهل الإنجيل وهم النصارى بأن يحكموا بما في كتابهم وهو الإنجيل فإنه قبل البعثة المحمدية حق ، وأما بعدها فقد أمروا في غير موضع بأن يعملوا بما أنزل اللّه على محمد صلى اللّه عليه وسلم في القرآن الناسخ لجميع الكتب المنزلة . قرىء بنصب الفعل من لْيَحْكُمْ على أن اللام لام كي ، ويجزمه على أن اللام للأمر ، فعلى الأولى تكون اللام متعلقة بقوله وآتيناه الإنجيل ليحكم أهله بما أنزل اللّه فيه ، وعلى الثانية هو كلام مستأنف ، قال مكي : والاختيار الجزم لأن الجماعة عليه ، ولأن ما بعده من الوعيد والتهديد يدل على أنه إلزام من اللّه تعالى لأهل الإنجيل ،